ابن يعقوب المغربي

517

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

الرجوع ( ومنه ) أي : ومن البديع المعنوي ( الرجوع ) أي النوع المسمى بالرجوع ( و ) يؤخذ وجه تسميته من معناه إذ ( هو العود ) أي : الرجوع ( إلى الكلام السابق ) من المتكلم ( بالنقض ) أي : هو أن يرجع المتكلم إلى نقض الكلام السابق وإبطاله ، فالباء في بالنقض للمصاحبة ، أي : يرجع إلى الكلام السابق مستصحبا في رجوعه إليه نقضه وإبطاله ، ويحتمل أن تكون الباء للتعليل ، أي : يرجع إليه ؛ لأجل قصد نقضه بإتيانه بكلام آخر فيبطله ويشترط في كون الرجوع إلى نقض الكلام من البديع أن يكون ذلك النقض ( لنكتة ) كأن يفهم من السياق أن المتكلم لم يعد لإبطال الكلام الأول لمجرد كونه غلطا ، وإنما ذلك لإظهار التحسر والتحزن ، وكون العود دالا على التحسر والتحزن حتى يجعل لإفادته وتكون تلك الإفادة هي النكتة ، فتحقق بما تقرر مثلا أن الإنسان إذا كان متولها في الحب مغلوبا على عقله ربما يظن الشيء واقعا وليس بواقع ، ثم إنه قد يستفيق بعد الإخبار بغير الواقع المرغوب المظنون ، فيعود إلى إبطاله بالإخبار بالحقيقة ، فيظهر من ذلك أنه عائد إلى الصدق كرها ، وفي ضمن ذلك أنه متأسف على فوات ما رغب فيه ، وغيبه الحب عن إدراك خلافه ، فإذا دل الدليل على أنه لم يغب عن عقله حقيقة ، فهم من عوده أنه في منزلة المغيب بالحب المتأسف على ما فات ، فيفهم منه أنه أراد أن يظهر التحسر والتحزن على فوات ما أخبر به أولا وذلك ( كقوله : قف بالديار التي لم يعفها ) " 1 " أي : لم يستر آثارها ( القدم ) أي : قدم عهد أربابها ؛ لقرب وقت انتقالهم عن تلك الديار ، وهذا مرغوبه ؛ لأن قرب الأثر مما تستنشق منه رائحة المحبوب ، ويقرب به وقت الوصال ، ثم أضرب عن هذا مظهرا أنه توله في الحب حتى أخبر بغير الواقع للرغبة فيه ، وفي ضمن ذلك التحسر والتحزن على فواته ، وأنه ما عاد إلا كارها بدليل أن المتصور هو ذلك الأول المرغوب فهو المتأسف عليه ، فعاد إلى إبطاله متأسفا على فواته وفوات قرب الأحباب فقال ( بلى ) أي : عفاها لأن نفي النفي إثبات ( وغيرها الأرواح ) أي : غيرت آثارها الرياح ، فالأرواح جمع ريح ، ولما فتحت العين ردت إلى

--> ( 1 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ( 145 ) ، وتهذيب اللغة ( 15 / 672 ) .